على مدار الساعة

المتسولون في ميزان القانون

22 يوليو, 2025 - 15:34
المحامي / محمد سيدي عبد الرحمن إبراهيم - mohsiab@yahoo.fr

نظرا لاهتمام المجتمع بالتسول وعدم إحاطة غالبية المواطنين بالمقتضيات القانونية المتعلقة بالتشرد والمسؤوليات المترتبة عليهما ارتأيت رفع اللبس عن بعض المفاهيم (1) ببيان تجريم التسول وعقوباته (2) والتشرد وما يرتب عليه القانون من تبعات (3) وأخلص إلى ما يجب على السلطات العامة أن تباشره تطبيقا للقانون وصونا لحرمة الشارع وهيبة الدولة (4).

 

1. مفاهيم التسول والتشرد

المتسول هو من يمتهن استجداء الناس ويعترضهم أو يطرق أبوابهم طلبا لحاجة مادية، أما المتشرد فيعرفه القانون بأنه الشخص الذي ليس له محل إقامة ولا وسيلة عيش. ولا يمارس المتسولون والمتشردون عادة أي حرفة أو مهنة يجيزها القانون الذي يحظر التسول.

 

ويختلف المتسولون ففيهم القادر على العمل ولكنه ألف المسألة واقتنع باتخاذها وسيلة معتادة للكسب وفيهم ذوو الاحتياجات الخاصة الذين لا يستغنون عن مساعدة نظرائهم القادرين وبينهما أشخاص مشتبهون لا يتضح تصنيفهم.. وعلى الرغم من كون التسول مجرما، بموجب القانون الموريتاني، فقد ألف الناس رؤية جموع المتسولين عند تقاطعات الطرق الحضرية الكبرى في العاصمتين نواكشوط ونواذيبو لدرجة أن جحافلهم قد تربك حركة السير وتعرض المتسولين أنفسهم للخطر لأنهم اعتادوا حشر أجسادهم بين المركبات المتوقفة عند إشارات المرور.. وعلاوة على الرجال والنساء يتواجد ضمن متسولي التقاطعات أطفال من مختلف الأعمار وقد تجد عائلات كاملة تضم صغارا يسخرهم ذووهم أو المتحكمون فيهم للمسألة دون اعتبار لما ينص عليه القانون الوطني والاتفاقيات الدولية من وجوب تكريم الطفل وعدم جواز استغلاله في العمل والتحصيل المادي.. ومن المألوف أن يشاهد سالك الطريق أما ترضع صغيرها على قارعة الرصيف وعلى مرأى المارة دون اعتبار لما توجبه الأخلاق وقواعد الذوق السليم من تستر. ومن الملاحظ أن الكثير من متسولي ومتشردي التقاطعات، الذين ينتهكون القانون ويشوهون سمعة البلاد، هم من الأجانب.

 

وكما تهن الأجساد تتفاوت سلامة العقول فمنها السوي ومنها المخبول، ولا يندر أن ترى مختلا عقليا يجوب الشوارع ويرهب المارة مع أنه لا يلوي على شيء.. ويندس في المختلين محتالون يتظاهرون بالخبال لابتزاز السائقين وقد شاهدت أحدهم يعترض المركبات ويهدد سائقيها بجلمود صخر يحمله بيده و"يهيس به" على السائقين لإرغامهم على المداراة عن أنفسهم وعن سياراتهم بما حوت جيوبهم.

 

2. تجريم التسول وعقوباته:

التسول فعل مجرم بالمواد من 255 إلى 262 من قانون العقوبات الموريتاني التي تعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر كل شخص سليم يوجد متسولا في محل توجد فيه مؤسسة عمومية لمنع التسول أما في الأماكن التي لا توجد فيها مثل هذه المؤسسة فإن الأصحاء من متعودي التسول يعاقبون بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر.

 

ويعاقب القانون المتسولين الأصحاء الذين يعتقلون خارج محل إقامتهم بالحبس من شهر إلى سنة. ويعاقب القانون بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين كل متسول ولو كان غير سليم استعمل التهديد أو دخل منزلا أو مكانا مسورا تابعا له دون إذن صاحب المنزل أو ذويه أو يتظاهر بجروح أو عاهات، أو من يتسولون مجتمعين ما لم يكونا زوجين أو الأب أو الأم مع أبنائهما أو الأعمى وقائده.

 

ويعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، كل متسول أو متشرد يقبض عليه مختفيا بأية طريقة كانت أو يحمل أسلحة ولو لم يستعملها أو يهدد باستعمالها أو مصحوبا بمبارد أو خطاطيف أو غير ذلك من الآلات الخاصة سواء أكان ذلك لارتكاب السرقة أو غيرها من الجرائم أو للتمكن من دخول المنازل.

 

كل متسول أو متشرد يوجد حاملا متاعا أو أمتعة ذات قيمة تتجاوز 1000 أوقية، ولم يبرز مصدرها تسلط عليه عقوبة حبس من ستة أشهر إلى سنتين.

 

وكل متسول أو متشرد يقوم بعمل عنف أيا كان أو يحاول القيام به ضد الأشخاص، يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وذلك دون إخلال بالعقوبات الأشد إذا كان لها مقتضى بالنظر إلى نوع العنف وظروفه.

 

وإذا وجد المتسول أو المتشرد زيادة على قيامه بالعنف أو محاولته القيام به متخفيا بأية طريقة كانت أو يحمل أسلحة ولو لم يستعملها أو يهدد باستعمالها أو مصحوبا بمبارد أو خطاطيف أو غير ذلك من الآلات الخاصة سواء أكان ذلك لارتكاب السرقة أو غيرها من الجرائم أو للتمكن من دخول المنازل يعاقب بالسجن.

 

ويمنع من الإقامة لمدة خمس سنوات على الأقل وعشر سنوات على الأكثر المتسولون الذين يحكم عليهم بعقوبات التسول.

 

3. تجريم التشرد وعقوباته

يوجب القانون على كل شخص يقطن في الوسط الحضري أن يقيم في مكان معلوم ويعد متشردا من ليس له محل إقامة ولا وسيلة للعيش ولا يمارس عادة أية حرفة أو مهنة. كما يعد متشردا القصر البالغون من العمر ثماني عشرة سنة الذين يغادرون منازل أسرهم أو أوصيائهم أو المحال التي وضعوا فيها من طرف من أسندت إليهم السلطة رعايتهم وأمانتهم دون سبب شرعي أو يوجدون متجولين أو يرتزقون من الفجور أو من مهن محرمة.

 

ويعتبر القانون الموريتاني التشرد جنحة تجرمها المواد من 250 إلى 254 من قانون العقوبات التي تنص على أن المتشرد يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر ويمنع المتشردون من الإقامة لمدة من خمس سنوات على الأقل إلى عشر سنوات على الأكثر بعد انتهاء العقوبة غير أن المتشردين الذين لم يبلغوا ست عشرة سنة لا يعاقبون بالحبس، وإنما يمنعون من الإقامة إلى سن العشرين سنة تامة إذا ثبت تشردهم. ويجيز القانون الموريتاني أن يبعد من أرض الجمهورية الأجانب الذين يصدر حكم باعتبارهم متشردين وذلك بأمر من المحكمة.

 

ويمكن للمتشردين المولودين في موريتانيا بعد صدور حكم بالتشرد حائز لقوة الشيء المقضي به أن يضمنوا من طرف مواطن موسر. وإذا قبلت الحكومة هذه الضمانة فإن الأفراد المضمونين يبعثون أو يقتادون بأمر من الحكومة إلى المدينة التي تعين لإقامتهم، وذلك بطلب من الضامن.

 

4. الخلاصة

إن من المستهجن كون المتسولين والمتشردين يقومون بأفعالهم المصنفة كجرائم، على مرأى أفراد الشرطة، الذين ينهمكون في متابعة مخالفات سير السائقين دون اعتبار للتراتبية القانونية للجرائم (جنايات – جنح - مخالفات) التي تجعل متابعة مقترفي الجنح أولى من ملاحقة مرتكبي المخالفات، مما يوجب على رجال الأمن التدخل لتطبيق القانون وفرض احترام الشارع وهيبة الدولة فمن غير المستساغ انهماك أفراد الشرطة، المرابطين عند التقاطعات، في التعامل مع السيارات ومخالفاتها بناء على مرسوم لا يرقى في رتبته القانونية لمستوى القانون الجنائي وغضهم الطرف عن جنحة لا غبار عليها. فعلينا أن ندرك أن قائد المركبة الذي يجتاز الضوء الأحمر يرتكب مخالفة مؤقتة تنقطع باجتياز التقاطع أما المتسولون المرابطون عند التقاطعات فيرتكبون جنحا مستمرة ولو كان للجنحة مؤشر لكان أكثر احمرارا من مؤشر المخالفة.

 

لذلك يجب أن يتلقى أفراد الأمن تعليمات بتعقب المتسولين باعتبار منع الجنح واجبا قانونيا وأخلاقيا مقدما على تتبع المخالفات.

 

وتقع المسؤولية بالدرجة الأولى على الإدارة العامة للأمن التي يجب عليها، قياما بمسؤولياتها الإدارية والقضائية، توجيه الأفراد التابعين لها إلى وجوب فرض احترام القانون الذي يقترن انتهاكه العلني بظرف تشديد. ومن واجب الدولة أن تعمل على توفير الغذاء والملاجئ لمن لا يجدون وأن تيسر حصول ذوي الاحتياجات الخاصة على الصدقات والمساعدات في ظروف مكانية وزمانية تحفظ كرامتهم وتصون هيبة الدولة.

 

ويتعين على القائمين على البرنامج الوطني لمحاربة التسول (التابع لوزارة الداخلية)، الذي أعلن مؤخرا عن خطة لتحويل المتسولين إلى فاعلين اقتصاديين، أن يدركوا أهمية التدرج ومراعاة الأولويات في محاربة الظاهرة مما يوجب البدء بتطبيق القانون الذي لا يستساغ أن يشجع الخارجون عليه برفعهم إلى مستوى الفاعلين الاقتصاديين وخريجو الجامعات والمحاظر العاطلون عن العمل أولى وأكثر تأهيلا وعفافا.

 

وخلاصة القول أنه يجب على السلطات العامة للجمهورية الإسلامية الموريتانية أن تدرك ضرورة محاسبة المجرمين بغض النظر عما إذا كانوا متسولين أو فاعلين اقتصاديين إذ أنه باحترام القانون تكون الدول أو لا تكون.